محمد بن جرير الطبري
411
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عليه وسلم ، وصدَّ عما بُعث به من الملة من قَبِل منه ، فقد ضلّ فذهب عن الدين الذي هو دين الله الذي ابتعث به أنبياءه ، ضلالا بعيدًا . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ( 168 ) إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( 169 ) } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : إن الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكفروا بالله بجحود ذلك ، وظلموا بمُقامهم على الكفر على علم منهم ، بظلمهم عبادَ الله ، وحسدًا للعرب ، وبغيًا على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم = " لم يكن الله ليغفر لهم " ، يعني : لم يكن الله ليعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم عليها ، ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم عليها ( 2 ) = " ولا ليهديهم طريقًا " ، يقول : ولم يكن الله تعالى ذكره ليهدي هؤلاء الذين كفروا وظلموا ، الذين وصفنا صفتهم ، فيوفقهم لطريق من الطرق التي ينالون بها ثوابَ الله ، ويصلون بلزومهم إياه إلى الجنة ، ولكنه يخذلهم عن ذلك ، حتى يسلكوا طريق جهنم . وإنما كنى بذكر " الطريق " عن الدين . وإنما معنى الكلام : لم يكن الله ليوفقهم للإسلام ، ولكنه يخذلهم عنه إلى " طريق جهنم " ، وهو الكفر ، يعني : حتى يكفروا بالله ورسله ، فيدخلوا جهنم = " خالدين فيها أبدًا " ، يقول : مقيمين فيها أبدًا = " وكان ذلك على الله يسيرًا " ، يقول : وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم ،
--> ( 1 ) انظر تفسير " ضل ضلالا بعيدًا " فيما سلف ص : 314 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . ( 2 ) في المطبوعة : " إياهم عليهم " ، والصواب من المخطوطة .